الرئيسية ← من لغة البحر ← أسماء القاع والساحل
من لغة البحر

أسماء القاع والساحل

من «النقرة» في صخر الشاطئ إلى «السمية» في عرض البحر: أسماء يعرف بها بحّارة دلس الماء والقاع، من الساحل إلى الأفق.

ساحل دلس، من صخر الشاطئ والماء القليل العمق إلى زرقة الغامق، وعرض البحر عند الأفق
ساحل دلس، من صخر الشاطئ والماء القليل العمق إلى زرقة الغامق، وعرض البحر عند الأفق
Yelles (CC BY-SA 4.0) — Wikimedia Commons

لأهل دلس أسماءٌ لأماكن البحر، من الحفرة الصغيرة في صخر الشاطئ إلى عرض البحر الذي يغيب بعده البرّ. وقد ذكر عامر شعباني طائفة منها في كتابه «الأنفاس الأخيرة للأندلس الصغيرة» (2013)، تحت عنوان «أسماء بعض التضاريس والأعشاب البحرية» (ص 171)، لكنه سرد أكثرها دون شرح. وهذه ما نعرف استعماله منها اليوم، بدءًا من الساحل وانتهاءً بعرض البحر.

أوّلًا: النُّقْرة

يسمّي أهل دلس الحفرةَ في الصخر، حيث يكون الماء قليلَ العمق قريبا من الساحل، «نُقْرة»، وتُنطق أيضا «نَقْرة»، وجمعها «نْقارِي». ولا تكون النقرة عندهم إلا في الصخر، ولا تسمّى نقرةً إلا إذا اتّسعت، حتى يسع ماؤها في الغالب طفلا يسبح فيه: يملؤها البحر ويجدّد ماءها، ويبقى قاعها ظاهرا للعين.

نقاري في صخر الساحل، يملؤها البحر كلّما ضربه الموج

نقاري في صخر الساحل، يملؤها البحر كلّما ضربه الموج
Michal Klajban (CC BY-SA 4.0) — Wikimedia Commons

وفي النقاري تأوي صغار الأسماك وتحتمي: الفريخات والعنقربات، والزناكر والزريرڤات وعين الحجلة والرقاقدة. ولذلك كانت النقاري موضعًا لصيد هذه الأسماك كلّها: يمشي الصيّاد على مقربة من الشاطئ الصخري، بقصبة صغيرة وخيط وصنّارة، كما وُصف لصيد الزناكر في بطاقة «زنكور».

أسماك صغيرة بين الصخر والحصى في ماء قليل العمق

أسماك صغيرة بين الصخر والحصى في ماء قليل العمق
Nachosan (CC BY-SA 3.0) — Wikimedia Commons

والنقاري أيضا أوّل مدرسة للبحر عند أطفال دلس: فيها يتعلّمون العوم في ماء قليل العمق، ومنها يتعلّم بعضهم الصيد.

وللكلمة شاهدٌ مكتوب من دلس نفسها: فقد عرّفها عامر شعباني في معجمه لألفاظ دلس الشائعة بقوله: «نُقْرَة: حفرة ماء في البحر الغير الغامق» (ص 302).

والكلمة عربية قديمة، لا إشكال في أصلها. ففي «مقاييس اللغة» لابن فارس أنّ النُّقرة «موضعٌ يبقى فيه ماءُ السيل». فالمعنى واحد، وإنما تغيّر الماء: ماءُ السيل في البرّ، وماءُ البحر في صخر الساحل. أمّا الجمع «نقاري» فصيغة دلسية لم نجدها في المعاجم، التي تجمع النقرة على «نُقَر» و«نِقار».

ولم نجد الكلمة عند لمين سواق.

ثانيًا: السطوح والغامق

والماء القليل العمق قرب الساحل يسمّى في دلس «السطوح»، ويقابله «الغامق»، وهو الماء العميق. وقد جاءت الكلمتان متقابلتين عند شعباني حين عرّف «الردفون»، وهو الشبكة الصغيرة المستديرة المشدودة إلى عود: فذكر أنّه يُصاد به «في السطوح، وليس في الغامق» (ص 285). وجاءت «الغامق» أيضا في تعريفه للنقرة: «حفرة ماء في البحر الغير الغامق» (ص 302).

و«السطوح» أيضا اسمُ موضعٍ معروف على ساحل دلس، بين قاري عاشور والقوس: صخورٌ مرتفعة بعض الشيء، كثيرة النقاري، تفصل الماء العميق نسبيًّا عن الماء القليل الذي يُمشى فيه. وقد ذكره لمين سواق بين أسماء الأماكن في دراسته للهجة دلس (2005، ص 172)، وترجمه ترجمةً حرفية «السقوف»، ولم يذكر معنى الماء القليل العمق. ولم نجد عنده «الغامق»، ولا «المجاز» و«الڤورڤاب» الآتيين.

ولا نعرف أيّ المعنيين أسبق: أسُمّي الموضع «السطوح» لأنه حدُّ الماء القليل، أم أُخذ اسم الماء القليل من اسم هذا الموضع، أم جاء الاسمان كلاهما من معنى الجذر (س‑ط‑ح)، وهو ما انبسط وظهر أعلاه، كسطح البيت وسطح الماء. فكلّ ذلك فرضيات لم نجد من تكلّم فيها.

على أنّ الغامق عندهم ليس هو الطماس: فالغامق عميقٌ فحسب، أمّا الطماس فهو العمق البعيد الذي لا تبلغه العين، كما سيأتي.

ثالثًا: المجاز والڤورڤاب

«المجاز» في دلس ممرٌّ ضيّق في البحر، يصعب على القوارب اجتيازه. والكلمة عربية بيّنة الأصل: ففي «القاموس المحيط» للفيروزآبادي: «المَجازُ: الطريقُ إذا قُطِعَ من أحد جانبيه إلى الآخر». وقد ذكرها شعباني بين أسماء التضاريس البحرية (ص 171)، دون شرح.

و«الڤورڤاب» شقٌّ أو هوّة في قاع البحر، بعيدًا عن الساحل. يقصده الصيّادون، محترفين وهواة، طلبًا للسمك، فيخرجون إليه في قواربهم للصيد بالخيط. وقد أورده شعباني في القائمة نفسها (ص 171) بالقاف، «قورقاب»، دون شرح أيضا، على عادته في كتابة الڤ قافًا. ولم نقف على أصل الكلمة. وقد يُقرَّب أوّلها من gorgo الإيطالية، ومعناها الدوّامة أو الهوّة في الماء، ومن gorg الكتالانية، وهي الموضع العميق من الماء، وكلتاهما من اللاتينية gurges «اللجّة، الهوّة». غير أنّ هذا تشابهٌ في اللفظ لم يقل به أحد فيما نعلم، ولا يفسّر آخر الكلمة «ـاب».

رابعًا: الطّماس

يقول بحّارة دلس عن القاع البعيد الذي لا تبلغه العين إنه «الطماس»، ويُنطق في ألسنتهم tmās. وأكثر ما يُسمع اللفظ في تركيب «فُونْدو طْماسْ»: القاع الذي انقطع دونه الضوء، فلا يُرى رملُه ولا صخرُه، وينزل فيه الخيط حتى ينقطع خبرُه. ويقال عن السمكة أو السرطان إنه «من الطماس»، أي من ذلك العمق الذي لا يُبصَر.

ماءٌ داكنٌ لا تبلغ العين قاعه

ماءٌ داكنٌ لا تبلغ العين قاعه، وهو المشهد الذي منه جاءت التسمية
Kris Møklebust — Pexels

وللاسم شاهدٌ مكتوب من دلس نفسها: فقد أورده عامر شعباني مرّتين: بين أسماء التضاريس البحرية بلهجة دلس («حفرة الغامق: طماس»، ص 171)، وفي معجمه لألفاظ دلس الشائعة بصيغة «أطْمَاسْ: عمق البحر» (ص 292). فالاسم ومعناه ثابتان، وإن لم يذكر شعباني من أين جاء.

والجذر (ط‑م‑س) في العربية ثابتُ المعنى بيّنُه: «طَمَسَ الشيءَ» محاه وأذهب أثره حتى لا يبقى منه ما يُعرف به، و«الطامس» ما دَرَسَ وعفا رسمُه. وهو معنى مسجّل في أمّهات المعاجم، وارد في التنزيل بمعنى المحو والإذهاب. فليس في أصل الكلمة العربية إشكال.

وإنّما الإشكال في الخطوة الثانية: كيف صار المحوُ اسما للعمق؟ والوجه القريب أن يكون «الطماس» عندهم مكانَ الانطماس لا الشيءَ المنطمس أي القاع الذي تنطمس فيه الرؤية وتُمحى فيه المعالم. وهو انتقالٌ مأنوس في المعنى، من ذهاب الأثر إلى انقطاع النظر. ولم يوثّق أحدٌ (فيما نعلم) هذه الخطوة في مصدرٍ مطبوع. غير أنّ لها من كلام أهل دلس أنفسهم ما يشدّها.

فالجذر حيٌّ عندهم خارج البحر أيضا: يقولون للرجل الذي لا يستجيب لشيء، ولا ينتبه لما حوله، ولا يفقه أبسط ما يُقال له: «طمس». إنسانٌ انطمست عنده الإشارة، فلا يَرِد عليه شيء ولا يصدر عنه. وقد دوّنه عامر شعباني في معجمه لألفاظ دلس الشائعة بصيغة «كالطَّمس»، يقال لمن لا يكاد يتحرّك أو هو بطيء الحركة (ص 278). وهذا استعمالٌ لا صلة له بالبحر ولا بالصيد، وهو لذلك أنفعُ ما يُستدلّ به: فالكلمة ليست لفظا بحريا غريبا وحده، بل الجذر عاملٌ في اللهجة نفسها بمعنى الانطفاء وذهاب الأثر. فإذا كان الرجل «طمسا» لأنّ الإدراك انطمس فيه، فليس ببعيدٍ أن يكون القاع «طماسا» لأنّ النظر ينطمس فيه.

وأمّا «فوندو» فأصلها بيّن: fondo بالإيطالية والإسبانية، ومعناها «القاع». وهي من ألفاظ لسان البحر المشترك الذي تخاطب به بحّارة المتوسط قرونا. فيجتمع في التركيب الواحد لفظان من ضفّتين: روميٌّ يسمّي القاع، وعربيٌّ يصف حاله. وهذا بعينه ما يتكرّر في أسماء دلس البحرية: طبقةٌ أوروبية على أساسٍ عربيّ، لا تُلغي إحداهما الأخرى.

على أنّ «طمس» في دلس اسمٌ لسمكةٍ كذلك، وهو الذي أورده لمين سواق في دراسته للهجة دلس (2005) ضمن أسماء الأسماك التي لم يهتدِ إلى تحديد أنواعها. وقد تبيّن أنها سمكة القمر (Mola mola)، وقد أُفردت لها بطاقتُها في باب الأسماك. ولعلّ اسمها من هذا الباب نفسه: فهي تُرى ساكنةً على وجه الماء مائلةً على جنبها، لا تكاد تتحرّك ولا تنفر ممّن دنا منها، «طمس» كما يقال للرجل الذي لا يستجيب. وهو وجهٌ قويّ في المناسبة، غير أنّه يبقى فرضيةً في الاشتقاق لم نقف على من ذكرها. وليُنتبه على كلّ حال: «طمس» اسمُ السمكة، و«طماس» اسمُ القاع، وإن التقيا في الجذر.

وعلى كلّ حال، ففي «فوندو طماس» صورةٌ مصغّرة من لغة بحر دلس كلّها: قاعٌ اسمُه من موانئ الجيران، ووصفُه من العربية القديمة، وبينهما بحّارٌ لا يعنيه من أين جاء اللفظ، بل أين ينقطع النظر.

خامسًا: السّْمِيّة

وأبعدُ من ذلك كلّه «السْمِيّة»، وتُنطق es-smiyya: عرضُ البحر، حيث يبتعد القارب عن الساحل. يقال: «خرج للسمية»، و«راهم في السمية»، والكلمة مستعملة إلى اليوم. والسمية غير الطماس: فالطماس عمقٌ، والسمية بُعدٌ عن البرّ.

وقد ذكرها شعباني في آخر القائمة نفسها، بعد الطماس مباشرة: «حفرة الغامق: طماس، سميّة» (ص 171)، دون أن يشرحها. ولم نجدها عند لمين سواق.

أمّا أصلها فلم نجد من تكلّم فيه. وفي العربية القديمة أنّ «سُمَيّة» تصغيرُ «سماء»: ففي «كتاب المذكّر والمؤنّث» لأبي الحسين التستري: «والسماء إذا أردت المطر مؤنثة… وتصغيرها سمية». فالصيغة موجودة في العربية بلفظها، والتصغير معروف في ألفاظ دلس البحرية، كقول شعباني في الصفحة نفسها: «الدبة (أو دبيبة صغيرة)». غير أنّ هذا يبقى فرضية: فالتستري يذكر التصغير للسماء بمعنى المطر لا بمعنى عرض البحر، ولم نقف على من ربط الكلمة الدلسية بهذا الأصل.

تنبيهات: «نقرة» بمعنى حفرة الماء في صخر الساحل: استعمال حيّ في دلس، يشهد له عامر شعباني (ص 302) · النطق «نُقْرة» كما ضبطه شعباني، ويُسمع أيضا «نَقْرة» · الجمع «نقاري»: استعمال محلّي لم نجده في مصدر مكتوب · أصل «نقرة» العربي ثابت في المعاجم · «السطوح» عند سواق (ص 172) اسمُ موضعٍ بين قاري عاشور والقوس، ترجمه «السقوف»، والصلة بين اسم الموضع ومعنى الماء القليل العمق غير معروفة · لم نجد عند سواق «الغامق» ولا «المجاز» ولا «الڤورڤاب» · «المجاز» و«الڤورڤاب» ذكرهما شعباني (ص 171) دون شرح، ويكتب الثاني «قورقاب»، والمعنى المذكور هنا من الاستعمال في دلس · لم نقف على أصل «الڤورڤاب»، وتقريبه من gorgo الإيطالية و gorg الكتالانية فرضية لم يقل بها أحد فيما نعلم، ولا تفسّر آخر الكلمة · «طْماسْ» ← الجذر (ط‑م‑س) بمعنى المحو وذهاب الأثر: معنى الجذر ثابت في المعاجم، أمّا انتقاله إلى تسمية القاع فهو فرضية لم يوثّقها بحث منشور · الاسم نفسه بمعنى «عمق البحر» موثّق عند عامر شعباني (ص 171 و292)، دون ذكر أصله · «فوندو» ← fondo الإيطالية والإسبانية: أصل بيّن · «طمس» اسمُ سمكةٍ كذلك، أوردها سواق (2005) دون تحديد النوع، وهي سمكة القمر (Mola mola)، ولها بطاقتها في باب الأسماك، وربطُ اسمها بسكونها فرضية · «السمية» ذكرها شعباني (ص 171) دون شرح، ولم نجدها عند لمين سواق · تُنطق في دلس «سْمِيّة»، والصيغة الفصيحة «سُمَيّة» · ردّها إلى «سُمَيّة» تصغير «سماء» فرضية: الصيغة ثابتة في العربية، وصلتها بالكلمة الدلسية غير موثّقة.

هل تعرف أكثر؟

إن كان عندك تصحيحٌ أو تأكيدٌ من كبار البحّارة حول هذه الألفاظ وأصولها، فشاركنا به.

أرسل مساهمتك