بحري
«بحري» و«بحريّا» و«برّي»: كيف يسمّي أهل دلس صيّاد البحر وأهله، ومن أين أخذ هذا الموقع اسمه.
يقال في دلس للصيّاد الذي يعيش من البحر «بحري». ولا تُطلق الكلمة على كلّ من ركب قاربا أو ألقى صنّارة، بل على صيّاد الحرفة وحده، الذي يكسب رزقه من البحر. فإذا كانت العائلة كلّها تعمل في البحر، صيدًا أو بيعًا للسمك أو غير ذلك، قيل عنها «بَحْرِيَّا»، وهي أيضا جمعُ «بحري». ويقابل البحريَّ «بَرِّي»: من ليس من أهل البحر.
والكلمتان قديمتان في العربية. ففي «لسان العرب» أنّ البحر «خلاف البَرّ»، وأنّ ما يُنسب إلى البحر يقال له «بَحْرِيّ»، تمامًا كما يقول أهل دلس اليوم.
وقد وصف عامر شعباني منزلة البحر في حياة المدينة، فذكر أنّك لا تكاد تجد فيها عائلة ليس بين أفرادها من يمارس الصيد، «بل قد تجد أنّ كلّ العائلة ابتداء من ربّ الأسرة إلى أصغر الأبناء "بَحْرِي" على اصطلاحهم» («الأنفاس الأخيرة للأندلس الصغيرة»، 2013، ص 216). وهذا هو بعينه ما يعنيه أهل دلس بقولهم «بحريّا».
ويصف شعباني في الصفحة نفسها طريقتين في صيد الحرفة. فمنهم من يحترفه في مجموعات، «انطلاقا من المرسى (الميناء الرئيسي للمدينة)»، على سفن صيد كبيرة «تحمل من 3 إلى 16 بحّارا». ومنهم من يحترفه اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة، أو أسرةً واحدة، من مراسٍ صغيرة على الساحل: «القوس»، أو الميناء الغربي (Port Maur)، في غرب المدينة؛ وجونٌ صغير شرقيَّ «القوس»، تحت المنارة، يسمّى «أقيواز»؛ ثم «الرّملة»، الشاطئ الرملي الأبيض الذي كانت فيه في العهد الروماني حمّامات ما تزال آثارها تحت الماء. وهذه المراسي لا تدخلها إلا القوارب الصغيرة «التي لا تُقِلّ أكثر من ثلاثة صيادين مع الشّباكِ وأدواتِ الصّيد الخاصّة بهم».
وللصيد في دلس وجهٌ آخر غير الحرفة، هو صيد الهواية، وصاحبه ليس «بحريًّا» وإن أحسن الصيد. ويستشهد له شعباني بما كتبه الحسن الوزّان (ليون الإفريقي) عن أهل دلس في «وصف إفريقيا»: «وقد تعوّدوا جميعاً اصطياد السّمك بالشّباك، فيحصلون على كمية وافرة منه لا تُباع ولا تُشترى، وإنما يهدونه لمن يرغب فيه» (ص 216–217).
وللكلمة في دلس معنى ثانٍ لا صلة له بالناس: فـ«البحري» نسيمٌ ليّنٌ منعشٌ يأتي في أيّام الحرّ. ولعلّه نسيم البحر الذي يعرفه أهل السواحل جميعا: إذا اشتدّ الحرّ نهارًا سخنت اليابسة أسرع من الماء، فهبّ الهواء من البحر نحو البرّ. فـ«البحري» في دلس إنسانٌ وريحٌ معا، وكلاهما من البحر.
ومن هذه الكلمة أخذ هذا الموقع اسمه. فقد كان يمكن أن يحمل اسم دلس نفسها، لكنّ تاريخ دلس وأهلها كلّه يدور حول البحر، من قريب أو من بعيد: «رأس الحوت» كما سمّاها الفينيقيون على رأي شعباني، ومراسيها الصغيرة، وعائلاتها «البحريّا»، وأسماء سمكها التي جاءتها من ضفاف المتوسط كلّها. فكان «البحري» أصدقَ اسمٍ لها.
هل تعرف أكثر؟
إن كان عندك تصحيحٌ أو تأكيدٌ من كبار البحّارة حول هذه الألفاظ وأصولها، فشاركنا به.